يمثل الأمن البيولوجي نهجاً استراتيجياً متكاملاً لتحليل وإدارة المخاطر البيولوجية التي قد تهدد حياة وصحة الإنسان والحيوان والنبات والبيئة، وذلك من خلال إطار وطني شامل يهدف إلى تعزيز الوقاية والاستجابة الفعالة والتعافي من التهديدات البيولوجية. ومع التطور العلمي والتقني المتسارع في مجالات التكنولوجيا الحيوية والعلوم البيولوجية، أصبحت الحاجة ملحة لوضع استراتيجية وطنية وإطار مؤسسي واضح للأمن البيولوجي، يحدد الأدوار والمسؤوليات ويعزز التنسيق بين الجهات المعنية لتقييم المخاطر المرتبطة بالعوامل البيولوجية، ووضع التدابير اللازمة للحد من انتشارها أو إدخالها أو إساءة استخدامها.
وقد برزت أهمية الأمن البيولوجي على المستوى الدولي نتيجة عدد من الأحداث البيولوجية التي أثرت على الصحة العامة والاقتصاد العالمي، من أبرزها حادثة الجمرة الخبيثة (Anthrax) في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001م، والتي أسفرت عن خسائر في الأرواح وأضرار اقتصادية ومادية كبيرة، إضافة إلى حوادث انتشار مرض الحمى القلاعية (Foot and Mouth Disease) في بعض الدول الأوروبية، وما ترتب عليها من خسائر اقتصادية وبيئية أثرت في الثروات الحيوانية للدول المتضررة.
وتتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة بأهمية إقليمية ودولية متزايدة في مختلف المجالات، حيث تُعد أحد المراكز العالمية الرئيسية للتجارة ومعبراً مهماً لنقل الركاب والبضائع، الأمر الذي يتطلب تطوير إطار وطني متكامل للأمن البيولوجي يواكب أفضل الممارسات الدولية، ويعزز قدرات الدولة في التحكم والسيطرة على المواد البيولوجية وإدارة المخاطر المرتبطة بها.
وانطلاقاً من ذلك، جاءت التوصية بتشكيل اللجنة الوطنية للأمن البيولوجي من قبل مجلس الوزراء بموجب قرار المجلس الوزاري للخدمات رقم (184/13 خ/1) لعام 2010، وبناءً عليه تم تشكيل اللجنة الوطنية للأمن البيولوجي بموجب القرار الوزاري رقم (136) لسنة 2012، بهدف تعزيز التنسيق الوطني وتطوير السياسات والاستراتيجيات الوطنية ذات الصلة بالأمن البيولوجي بما يسهم في حماية المجتمع والبيئة ودعم الأمن الوطني.
ومن هذا المنطلق، بادرت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى إعداد استراتيجية وطنية متكاملة للأمن البيولوجي للفترة (2013–2017)، هدفت إلى حماية الدولة من المخاطر البيولوجية وتعزيز سلامة قاطنيها وثرواتها الحيوانية والنباتية والبيئية، ورفع مستوى الجاهزية والاستعداد، إضافة إلى استحداث برامج للتنبؤ واستشراف المخاطر البيولوجية المستقبلية. كما ركزت الاستراتيجية على تطوير القدرات الوطنية في مجالات الرصد والكشف والاستجابة والتعافي، وتعزيز منظومة الأمن البيولوجي من خلال بناء الكفاءات البشرية وإطلاق المشاريع والمبادرات الداعمة، بما يسهم في احتواء المخاطر البيولوجية والحد من آثارها، والحفاظ على المكتسبات السياسية والاقتصادية وتعزيز مكانة الدولة كمركز عالمي للتجارة والسياحة.
وقد مثّلت هذه الاستراتيجية خطوة مهمة نحو تحقيق منظومة متكاملة ومستدامة للأمن البيولوجي، وذلك إنفاذاً لقرار المجلس الوزاري للخدمات رقم (184/13خ/1) لسنة 2010.
واستكمالاً لهذه الجهود، تم التخطيط لتحديث استراتيجية الأمن البيولوجي لتصبح الإطار الوطني للأمن البيولوجي 2023-2032، استناداً إلى دراسة وتقييم الوضع الراهن لمنظومة الأمن البيولوجي في الدولة، وتحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات (SWOT)، وإجراء المقارنات المعيارية مع أفضل الممارسات الإقليمية والدولية، والاستفادة من نتائج الاستراتيجية السابقة (2013–2017)، بالإضافة إلى مراجعة عدد من الاستراتيجيات الدولية الرائدة في هذا المجال.
كما أخذ في الاعتبار ما شهده العالم من مخاطر بيولوجية وأوبئة وجوائح، وعلى رأسها جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) التي ظهرت في ديسمبر 2019، والتي أثرت بشكل كبير على مختلف مناحي الحياة، الأمر الذي أكد أهمية تعزيز منظومة الأمن البيولوجي وتطوير السياسات والإجراءات الوقائية، ورفع مستوى الجاهزية الوطنية للتعامل مع التهديدات البيولوجية الحالية والمستقبلية والحد من آثارها، بما يضمن استدامة الأمن الصحي والبيئي والاقتصادي للدولة.